رحلة الإنسان

 

العَدَمُ: كُلُّ مَا تَرَاهُ البَشَرِيَّةُ مِنْ حَولِها مِنَ و السَّمَاءِ ،الشَّمْسِ ،والقََمَرِ ،والنُجُومِ ،والطُيُورِ وَالحَيَوَانَاتِ والأنْهَارِ وَالْجِبَالِ تُدْرِكُ أنها لَيسَتْ هي التي أَنَشَأَتْ نَفْسَهَا وَ كَمَا أَنَهَا لَمْ تُوجِدَهَا البَشَرِيَةُ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فِي الْوُجُودِ أَيُّ شَيءٍ إِلاَّ الله فِي مَرْحَلَةٍ ما قَبلَ الْخَلْقِ , لا الْمَلاَئِكَةَ , لا الْجَنَةَ ،لا الجَحِيمَ ،لا عَرْشَ اللهِ ،لا الْوحَ الْمَحْفُوظَ وَ لا الْقَلَمَ أَيضَا كَانَتْ لا وُجُودَ لَهَا ، لَمْ يَكُنْ هُناك سِوَى اللهِ وَلا شَيءَ غَيرَهُ. خَلَقَ اللهُ الْكَونَ كُلَهُ وَ ما خَلَقَ اللهُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَ لِيَعْبُدُوهُ. وَهَذَا هُوَ السَبَبُ فِي أَنَّهُ لا يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ حَيَاتهُ علي مَشِيَّئَتِهِ. بَلْ عَلِيهِ أَنْ يَعِيشَ حَيَاتَهُ وِفْقًا لِطَرِيقةٍ أَوصَى الْخَالِقُ بِهَا. هذه هي الطَرِيقَةُ الْوَحِيدَةُ الْصَحِيحَةُ التي يَنْجَحُ بِاتِّبَاعِهَا . قُالُ الله عَزَّ وَ جَلَ في سُورَةِ الْمُلُكِ : الَّذِي خَلَقَ الْمَوتَ وَ الْحَيَاةَ لِيَبْلَوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنَ عَمَلاً (سورة الملك, 2)

عَالِمُ الأَرْوَاحِ : خَلَقَ اللهُ جَمِيعَ الأرْوَاحِ  وَ أَشْهَدَهَا اللهُ  على رَبُوبِيَتِهِ. فَقَالَ تَعَالَى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَومَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذا غَافِلِينَ (سورة الأعراف, 172). فَأَقَرَّتْ لَهُ جَلَّ وَعَلاَ بِذَلِكَ. ثُمَّ الأَرْوَاحُ أُرْسِلَتْ إِلى الْعَالَمِ مَعَ الْجِسَمِ لإِثْبَاتِ ما شَهِدَتْ بِهِ فِي عَالَمِ الأَرْوَاحِ تَطْبِيقِيًّا.

حَيَاتُنَا مَحْدُودُةٌ فِي الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ: اسْكَنَ اللهُ الْبَشَرَ هذه الأَرْضَ وَجَعَلَهَا دَارَ اخْتِبَارٍ لَهُمْ فِي وَفَائِهِمْ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ اللهُ عَلَيهِمْ وَاَقَرُّوا بِهِ.ألا تَرَى قِصَرَ آجَالِنَا فِي هذه الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ اغْرَاءآتِهَا  مُقَارَنَةً بِرِحْلَةِ الْكَونِ الطَّوِيلَةِ وَمَعَ قِصَرِهَا فِهِيَ أَهَمُّ مُحَطَّةٍ فِي هذه الْرِحْلَةِ الطَّوِيلَةِ لأَنَّ كُلَّ ما سَيَأْتِي بَعْدَهَا مِنْ مُحَطَّاتٍ مُتَوَقَّفٌ عَلَى ما تَزَوَّدْنَا مِنْ هذه الْمَحَطَّةِ .لأَنَّهَا الآنَ قَدْ أُرْسِلَتْ فِي هَيئَتِهَا ثُمَّ اُحِيطَتْ بِالرَّغَبَاتِ وَ الشَّهَوَاتِ.
 الاِخْتِبَارُ: هَْل يَسْتَخْدِمُ الشَّخْصُ جَسَدَهُ لِطَاعَةِ اللهِ وَمُتَابَعَةِ الطَّرِيقِ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صلي الله عليه وسلم)، أَمْ أَنَّهُ سَوفَ يَتَّبِعُ الشَّيطَانَ وَرَغَبَاتَهُ.

بَعْدَ الْمَوتِ ( حَيَاةُ الْبَرْزَخِ ):  نِهَايَةُ الْمَطَافِ فِي هذه الْحَيَاةِ الدُّنْيَا سَيَزُورُنَا الْمَوتُ الْمُحَتَّمُ وَيَأَخُذَنَا إِلى عَالَمِ الْبَرَزَخِ (عَالَمِ الْقَبَرِ)  حَيثُ سَتَبْقَى الأَرْوَاحُ إِلى يَومِ الْقِيَامَةِ وَسَيَكُونُ لَهَا هذا الْمَكَانُ الصَّغِيرُ الضَّيِّقُ, رَوضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةً مِنْ حُفْرِ النَّارِ بِسَبَبِ سُوءِ الأَعْمَالِ فِي هذِهِ الدُّنْيَا. هذه الْحَيَاةُ البَرْزَخِيَّةُ مَوجُودَةٌ فِي بُعْدٍ مُخْتَلِفٍ لَكِن الْعَينُ الْبَشَرِيَّةُ لا يُمْكِنُ أَنْ تَرَى هذا الْجَانِبِ

يَومُ الْقِيَامَةِ :  في يَومٍ لا يَعْلَمُهُ إِلاَّ الله سَتُخْرَجُ هَذِهِ الأَجْسَادُ مِنْ قُبُورِهَا وَسَيَجْمَعُهَا اللهُ في صِعِيدٍ  وَاحِدٍ , و لَنْ يَتْرَكَ اللهُ مِنْهُمْ إِنْساً ولا جِناً في مُحَاسِبَتِهِ على أَعْمَالِهِ, صَغِيرِهَا وكَبِيرِهَا وسَيُعْطِى كَلَّ وَاحِدٍ كَتَابَهُ فِيهِ أَعْمَالُهُ. وَيَسْتَسْلِمُ لِلْمَصِيرِ الذي سَيَنْتَهِي إِليهِ .

في هَذَا الْيَومِ الْعَظِيمِ اللهُ هُوَ السَيِّدُ وَالْمَالِكُ لَهُ وَهُوَ الذي يُقَرِّرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَصِيرَهُ يُعَامِلُهُ فيه بِرَحْمَتِهِ أَوْعَدْلِهِ .

الْمَحْكَمَةُ الأُولَى: مَحْكَمَةُ الأِيمَانِ وَالْكُفْرِ و التَّوْحِيدِ وَ الشِّرْكِ و هي تَشْتَمِلُ علي مَسَائِلَ حَولَ التَّوحِيدِ وَ الشِّرْكِ. بِمَعْنَى ما كان يَعْتَقِدُ الإنِسَانُ مِنْ إِيمَانٍ و كُفْرٍ و تَوْحِيدٍ أَو جَحُودٍ بِوَحْدَانِيَةٍ وَ رَسُولِهِ (صلي الله عليه وسلم).

المَحْكَمَةُ الثَّانِيَةُ: مَحْكَمَةُ حَقِّ اللهِ وَ رَسُولِهِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ , كَالصَّلاةِ و الصَّومِ والحَجِّ و اتِّبَاعِ ما أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ (صلي الله عليه وسلم) و حِرْصِهِمِ على الْعَمَلِ بِاْلقُرْآنِ و تَعْلِيمِهِ.

الْمَحْكَمَةُ الثَّالِثَةُ: مَحْكَمَةُ حَقُوقِ الْعِبَادِ تَتَعَلُّقُ بِحَقُوقِ النَّاسِ و سَائِرِ الْخَلْقِ  مِنْ الْحَيَوَانِ , وَ الْبِيئَةِ و غَيرِهَا.

الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ في جَهَنَّمٍ : إِذَا لَمْ يَغْفِرِ اللهُ لِلْعُصَاةِ وَالْفُسِّاقِ بِفَضْلِهِ و مَنِّهِ و رَحَمَتِهِ سَيَمْكُثُونَ وَقْتًا طَوِيلاً جِدًّا في وَدْيَانٍ و أَنْهَارِ جَهَنَّمٍ الْجَارِيَةِ . هَذِهِ الأََجْسَادُ غَيرُ الطَّاهِرَةِ سَتُطْرَحُ في النَّارِ على رُؤُوسِهَا .وَالأَجْسَادُ الْمُسْلِمَةُ غَيرُ الْنَقِيَّةِ سَتُعَذَّبُ في النَّارِ على قَدْرِ ما يُطَهَّرُها و يَزِيلُ عَنْهَا الأَدْرَانُ التِّي عَلَقَتْ بِهَا, وتَبْقَى الأَرْوَاحُ الْخَبِيثَةُ في نَارِ جَهَنَمٍ تَنَالُ جَزَاءَ نَقْضِهَا الَعَهْد الذَي قَطَعَتْهُ على نَفْسِها بِدَايَةَ الرِّحْلَةِ.

الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ في الْجَنَّةِ : لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ يَقُومُونَ بِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ في حَيَاةِ الدُنْيَا و يَبْتَعِدُونَ عَنْ الذُّنُوبِ هُمْ الْفَائِزُونَ و نَصِيبُهُمْ الْجَنًّةُ . كُلُ وَاحِدٍ في الْجَنَّةِ يُكْرِمُهُمْ اللهُ بِالصِّفَاتِ وَ هِيَ: طُولٌ كَطُولِ سَيِّدَنَا آدَمَ و جَمَالٌ كَجَمَالِ سَيِّدِنا يُوسُف وعُمْرٌ كَعُمْرِ سَيِّدِنا عِيسَى و صَوتٌ جَمِيلٌ كصَوتِ سَيِّدَنا دَاودَ وَ أَخْلاقٌ كَرِيمَةٌ كَأَخْلاَقِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ (عليه و عليهم أفضل الصلاة و السلام).  وَ يُكَلِّمُهُُم اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ و هُمْ يَنْظُرُونَ إِلي وَجْهِه الكَرِيمِ. و في الْجَنَّةِ حَيَاةٌ بِلا مَوتٍ و صِحَّةٌ بِلا مَرَضٍ وَ فَرَحٌ بِلا حَزَنٍ ولا مَشَاكِلَ و هذه صِفَاتُ أَهْلِ الجَنَّةِ الذين عَاشُوا في الدُنْيَا علي إِيمَانٍ بِاللهِ.

خُلاصَةٌ: رَبَّمَا يَمُرُّ بِكَ خَاطِرٌ يُقْلِقُكَ. يا تَرَى هَلْ سَأدْخُلُ الْجَنَّةَ أمِ النَّارَ إِذْ لَيسَ هُنَاكَ خِيَارٌ ثَالِثٌ في نِهَايِة ِالرِّحْلَةِ. فَكُلٌّ مِنَّا يَسْأَلُ نَفْسَهُ إِذَا هَلَكْتُ أَينَ سَتَكُونُ نِهَايَةُ رِحْلَتِي جَنةٌ أو نارٌ. لِكَي يَنْجِي الْعَبْدُ مِن الْعَذَابِ الاخِرَةِ وَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِالسَّلامِ لا بُدَ أنْ يُطَهِّرَ نَفْسَهُ وَ رُوحَهُ مِنَ الأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ مِنَ الذُّنُوبِ و الْمَعَاصِي ، و يُسَمَّي هَذا التَّطْهِيرُ (تَزْكِيَةُ النَّفْسِ) . بَعْدَ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ يُصْبِحُ الأِنْسَانُ مَحْبْوباً عِنْدَ اللهِ وَ صَالِحًا لِيَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَ إلاّ يَنْتَظِرُنَا عَذَابٌ رَهِيبٌ في نَارِ جَهَنَّم